أحمد بن محمد القسطلاني

99

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

جواب الدعاء فتختص بالمأموم ، وجوابه أن التأمين بمثابة التلخيص بعد البسط ، فالداعي يفصل والمؤمن يجمل ، وموقعها بعد القائل : اللَّهمّ استجب لنا ما دعوناك به ، من الهداية إلى { الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ولا تجعلنا من { المغضوب عليهم } تلخيص ، ذلك تحت قوله : آمين . فإن قالها الإمام فكأنه دعا مرتين مفصلاً ثم مجملاً ، وإن قالها المأموم فكأنه اقتدى بالإمام ، حيث دعا بدعاء الفاتحة فدعا بها هو مجملاً . ( وكان أبو هريرة ) رضي الله عنه ( ينادي الإمام ) هو العلاء بن الحضرمي ، كما عند عبد الرزاق ( لا تفتني ) بضم الفاء وسكون المثناة الفوقية ، من الفوات ، ولابن عساكر : لا تسبقني ( بآمين ) من السبق . وعند البيهقي : كان أبو هريرة يؤذن لمروان ، فاشترط أبو هريرة أن لا يسبقه ( بالضالين ) حتى يعلم أنه دخل في الصف ، وكأنه كان يشتغل بالإمامة ، وتعديل الصفوف ، وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة ، فكان أبو هريرة ، ينهاه عن ذلك . ( وقال نافع ) مولى ابن عمر ، مما وصله عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه قال : ( كان ابن عمر ) بن الخطاب رضي الله عنه إذا ختم أم القرآن ( لا يدعه ) أي التأمين ، ( ويحضّهم ) بالضاد المعجمة على قوله عقبها ، قال نافع : ( وسمعت منه ) أي من ابن عمر ( في ذلك ) أي التأمين ( خيرًا ) بسكون المثناة التحتية ، أي فضلاً وثوارًا ، وللحموي والمستملي وابن عساكر : خبرًا بفتح الموحدة أي حديثًا مرفوعًا . 780 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : آمِينَ » " . [ الحديث 780 - طرفه في : 6402 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا ) وللأصيلي حدّثنا ( مالك ) أي ابن أنس الأصبحي ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبده الرحمن أنهما أخبراه ، عن أبي هريرة ، أن النبي ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : أن رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( إذا أمَّن الإمام ) أي إذا أراد الإمام التأمين أي أن يقول : آمين بعد قراءة الفاتحة ( فأمّنوا ) فقولوا : آمين مقارنين له ، كما قاله الجمهور ، وعلّله إمام الحرمين ، بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه ، فلذلك لا يتأخر عنه ، وظاهر قوله : إذا أمَّن الإمام فأمنوا ، أن المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك ، وبه قال بعض الشافعية ، وهو مقتضى إطلاق الرافعي الخلاف . وادّعى النووي الاتفاق على خلافه ، ونص الشافعي في الأم على أن المأموم يؤمن ، ولو ترك الإمام عمدًا أو سهوًا واستدلّ به على مشروعية التأمين للإمام ، قيل : وفيه نظر لكونها قضية شرطية . وأجيب بأن التعبير بإذا يشعر بتحقيق الوقوع . وخالف مالك في إحدى الروايتين عنه ، وهي رواية ابن القاسم فقال : لا يؤمن الإمام في الجهرية ، وفي رواية عنه : لا يؤمن مطلقًا . وأوّلوا قوله : إذا أمَّن الإمام بدعاء الفاتحة من قوله : اهدنا إلخ ، وحينئذٍ فلا يؤمن الإمام لأنه داعٍ . قال القاضي أبو الطيب : هذا غلط ، بل الداعي أولى بالاستيجاب ، بل استبعد ابن العربي تأويلهم لغةً وشرعًا ، وقال : الإمام أحد الداعين وأولهم وأولاهم . اه - . وقد ورد التصريح بأن الإمام يقولها في رواية معمر عن ابن شهاب ، عند أبي داود والنسائي ، ولفظه : إذا قال الإمام { ولا الضالين } فقولوا : آمين . فإن الملائكة تقول : وإن الإمام يقول آمين . ( فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) زاد الجرجاني في أماليه ، عن أبي العباس الأصم ، عن بحر بن نصر ، عن ابن وهب عن يونس : وما تأخر : لكن قال الحافظ ابن حجر : إنها زيادة شاذة ، وظاهره يشمل الصغائر والكبائر ، لكن قد ثبت أن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما . ما اجتنبت الكبائر ، فإذا كانت الفرائض لا تكفّر الكبائر فكيف تكفّرها سنّة التأمين إذا وافقت التأمين ؟ وأجيب بأن المكفّر ليس التأمين الذي هو فعل المؤمّن ، بل وفاق الملائكة ، وليس ذلك إلى صنعه ، بل فضل من الله تعالى ، وعلامة على سعادة من وافق . قاله التاج بن السبكي في الأشباه والنظائر : والحق أنه عامّ خصّ منه ما يتعلق بحقوق الناس ، فلا تغفر بالتأمين للأدلة فيه ، لكنه شامل للكبائر كما تقدم ، إلا أن يدعي خروجها بدليل آخر . وفي كلام ابن المنير ما يشير إلى أن المقتضي للمغفرة هو موافقة المأموم لوظيفة التأمين ، وإيقاعه في محله على ما ينبغي ، كما هو شأن الملائكة ، فذكر موافقتهم ليس لأنه سبب للمغفرة